خبراء يجمعون على أن خطاب الزيدي أمام الأمم المتحدة رسم مسارًا للإصلاح ومكافحة الفساد وجذب الاستثمارات

أكد سياسيون وخبراء في القانون والاقتصاد ومكافحة الفساد، أن تأكيد رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة المضي في مكافحة الفساد وحماية المال العام يحمل رسائل داخلية ودولية بشأن توجه العراق نحو تعزيز سيادة القانون ورفع كفاءة مؤسسات الدولة، فيما أشاروا إلى أن تحقيق تقدم ملموس في هذا الملف من شأنه تعزيز ثقة المستثمرين والشركات العالمية بالبيئة الاقتصادية العراقية.
وأوضحوا في حديثهم أن “مكافحة الفساد لم تعد ملفاً رقابياً وقضائياً منفصلاً عن المسار الاقتصادي، بل ترتبط بإصلاح الإدارة والمالية العامة، وتعزيز شفافية العقود والمشتريات، ورقمنة الإجراءات الحكومية، وتحسين بيئة الاستثمار، مؤكدين أهمية الانتقال من معالجة حالات الفساد بعد وقوعها إلى بناء منظومة وقائية تحد من فرص الهدر والفساد وتضمن توجيه المال العام نحو المشاريع والخدمات والتنمية.
وكان رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي قد أكد خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن الحكومة تخوض معركة مكافحة الفساد وحماية المال العام، فيما أشار إلى المضي بإصلاحات جوهرية مستدامة لرفع كفاءة الأداء وتحسين الخدمات.
وقال الزيدي خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: إن “حكومتنا تخوض معركة مكافحة الفساد وحماية المال العام، ونمضي في مسار الإصلاحات بمعالجات جوهرية مستدامة لرفع كفاءة الأداء، وتحسين الخدمات“.
وأضاف أن “هدفنا بناء دولة قوية واقتصاد متنوع وعصري، يتماشى مع التحولات التكنولوجية والرقمية العالمية“.
وأكدت النائبة وفاء الطائي، أن “وضع مكافحة الفساد وحماية المال العام ضمن الرسائل الرئيسة للعراق أمام المجتمع الدولي يعكس جدية الدولة في تعزيز الشفافية وسيادة القانون وترسيخ الثقة بمؤسساتها والتزاماتها الدولية“.
وأضافت أنه “كلما تحقق تقدم ملموس في مكافحة الفساد وحماية المال العام ازدادت ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين بالبيئة الاقتصادية العراقية بما يسهم في جذب الاستثمارات وتنفيذ مشاريع تنموية مستدامة“.
وأشارت إلى أن “ذلك يتطلب ربط مكافحة الفساد بالإصلاح الاقتصادي من خلال تعزيز الشفافية في العقود والمناقصات وتفعيل الرقابة والمساءلة وتبسيط الإجراءات الحكومية واعتماد التحول الرقمي وضمان توجيه المال العام نحو المشاريع والخدمات ذات الأولوية“.
بدوره، أكد الخبير القانوني علي التميمي، أن “طرح مكافحة الفساد في رسالة العراق الدولية يرتبط بتعزيز سيادة القانون وبناء مؤسسات الدولة”، مشيراً إلى أهمية انعكاس هذا المسار على البيئة الاقتصادية والاستثمارية.
وقال التميمي: إن “الربط كان مباشرًا بين الفساد وهيبة القانون، والكلمة أكدت رؤيتنا التي تنطلق من استعادة هيبة القانون وتقوية مؤسسات الدولة ورسوخ ثقة المواطنين بها“.
وأضاف أن “وضع هذا الملف في الخطاب العراقي أمام المجتمع الدولي يعكس توجهاً نحو تعزيز صورة العراق بوصفه دولة مؤسسات، فضلًا عن ارتباط مكافحة الفساد بمسار التحول الاقتصادي وجذب الاستثمارات“.
وأشار إلى أن “الكلمة ربطت بين حماية المال العام وتوفير بيئة آمنة للاستثمار الوطني والأجنبي ودعم القطاع الخاص وتوفير التسهيلات والضمانات القانونية والضريبية والجمركية“.
وبشأن تحويل مكافحة الفساد إلى جزء من عملية الإصلاح الاقتصادي، أوضح التميمي أن “الكلمة نفسها وضعت الإطار: نمضي في مسار المُعالجات الجوهرية المُستدامة من أجلِ رفعِ كفاءةِ الأداء، وتحسين الخدمات“.
ولفت إلى أهمية “رقمنة الإنفاق”، من خلال ربط الموازنة والعقود والجمارك والضرائب بنظام رقمي موحد يقلل التدخل البشري، مبيناً أن “ذلك ينسجم مع هدف بناء “اقتصاد متنوع وعصري يتماشى مع التحولات التكنولوجية والرقمية العالمية“.
كما أشار إلى أهمية “إصلاح المشتريات والعقود”، فضلاً عن دعم القطاع الخاص وربط الحوافز والإعفاءات بالالتزام بالحوكمة والإفصاح، إلى جانب اعتماد مؤشرات اقتصادية يمكن من خلالها قياس أثر حماية المال العام على المشاريع والخدمات.
من جهته، أكد الخبير القانوني عباس العقابي أن مكافحة الفساد لم تعد قضية داخلية فحسب، وإنما لها أبعاد وانعكاسات دولية ترتبط بالتزامات الدول وبعلاقاتها مع المجتمع الدولي.
وقال العقابي إن “مكافحة الفساد اليوم لا تخص الشأن العراقي فقط، وإنما هي قضية دولية، ولها انعكاسات وآثار على المستوى الدولي، خصوصاً أن العراق منضم إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وهذه الاتفاقية تلزم الدول بأن تتعامل مع الفساد بشكل جاد وشفاف وعلى مستوى عالٍ“.
وأشار إلى أن “وجود مؤشرات ومنظمات دولية معنية بقياس مستويات الشفافية ومكافحة الفساد يجعل الإجراءات الحكومية في هذا الملف ذات انعكاس على صورة الدولة وعلاقاتها الاقتصادية والدولية“
وأكد الخبير القانوني حيدر الظالمي، أن كلمة رئيس الوزراء أمام الجمعية العامة تضمنت مجموعة من الملفات المهمة، من بينها مكافحة الفساد، الذي وضعته الحكومة ضمن أولوياتها.
وقال الظالمي إن “حقيقة، كلمة رئيس مجلس الوزراء تضمنت مجموعة من النقاط المهمة، ومن ضمنها قضية مكافحة الفساد، التي جعلتها الحكومة العراقية ضمن أولوياتها“.
وتابع أن “طرح موضوع ملف الفساد وآليات مكافحة الفساد، والإجراءات التي قامت بها الحكومة العراقية منذ تكليفها، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوحي بأن الحكومة العراقية جادة أولاً في هذا الملف“.
وأشار إلى أن ذلك “يعطي مؤشراً لدى الدول التي كانت حاضرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن العراق بدأ يستعيد عافيته، وأن الحكومة العراقية بدأت بتطبيق المؤشرات الدولية لمكافحة الفساد“.
وأكد الظالمي أن التقدم في هذا الملف “يدعو إلى الاطمئنان لدى الشركات التي يمكن أن تأتي وتستثمر في العراق، ويعطي الأرضية المناسبة للدول التي تريد أن تشارك بشركاتها في العراق“.
وأضاف أن ما طرحه رئيس الوزراء أمام المجتمع الدولي يؤكد توجه العراق نحو “فتح آفاق الاستثمار والتعاون الدولي، ومكافحة هذا الملف، ملف الفساد، للقضاء على كل ما يعيق عملية الاستثمار والتعاون الدولي، لتطوير البنى التحتية وتطوير القطاعات المهمة، كالصناعة والزراعة والقطاعات الأخرى التي يعاني منها العراق منذ سنوات طويلة“.
ولفت إلى أهمية اللقاءات التي عقدت على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دعم فرص التعاون والاستثمار والانفتاح الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
بدوره، أكد الباحث السياسي والأكاديمي غالب الدعمي، في حديثه إن ملف مكافحة الفساد يحظى باهتمام دولي، ولا سيما من جانب الشركات الكبرى التي تدرس البيئة القانونية والإدارية للدول قبل اتخاذ قراراتها الاستثمارية.
وأضاف أن “ملف مكافحة الفساد ملف دولي، وإحدى اشتراطات الشركات الكبرى في العالم للمجيء إلى العراق هي أن يكون ملف العراق جيداً في هذا المجال، أي أن تكون حالات الفساد في مستويات أقل ومقبولة، ومؤشرات مكافحة الفساد في العالم واضحة جداً“.
وتابع أن “هناك، مثلاً، مؤشرًا الشفافية، ويفترض أن يكون العراق في مؤشر الشفافية ضمن الدول التي ينخفض فيها مستوى الفساد، أو من ضمن الدول التي يكون فيها الفساد في مستويات مقبولة“.
وأكد أن “طرح رئيس الوزراء هذا الملف في الأمم المتحدة، بحضور جميع دول العالم والمنظمات المهتمة بهذا الشأن، وإيصال رسالة بأن العراق جاد في ملف مكافحة الفساد، يعطي بُعداً كبيراً لنا“.
وأشار إلى أن التعاون الدولي في ملفات مكافحة الفساد يسهم في دعم الإجراءات القانونية المتعلقة بملاحقة المطلوبين واسترداد الأموال، مؤكداً أن “تركيز رئيس الوزراء على ملف الفساد كان في محله، ويهدف منه إلى إرسال صورة إلى العالم بأن العراق ماضٍ في مكافحة الفساد؛ لأن ذلك ينعكس في النتيجة على الشركات العالمية التي ستأتي إلى العراق“.
من جانبه، أكد المحلل السياسي نجم القصاب، أن استمرار الإجراءات المرتبطة بمكافحة الفساد يعزز الثقة بقدرة مؤسسات الدولة على معالجة هذا الملف.
وأشار القصاب إلى أهمية استمرار التعاون بين مؤسسات الدولة، إلى جانب الدعم الدولي والإقليمي، في مكافحة الفساد وملاحقة الأموال وفق الأطر القانونية، بما يعزز قدرة العراق على تحقيق نتائج مستدامة في هذا الملف.
بدوره، أكد الخبير في مكافحة الفساد سعيد ياسين موسى، أن طرح ملف مكافحة الفساد أمام المجتمع الدولي يمثل رسالة مهمة لتعزيز التعاون بين العراق والدول والمنظمات الدولية.
وقال موسى إن “من الأهمية القصوى محاربة الفساد وهي رسالة إلى العالم والمنظمات الدولية والشركات الدولية لأجل النهوض بالاقتصاد العراقي ورسالة أن العراق تتوفر فيه فرص اقتصادية كبيرة“.
وأوضح أن “عملية مكافحة الفساد تبدأ من اتخاذ تدابير وقائية واحتواء جريمة الفساد، وملاحقة الفساد تحتاج إلى توزيع الأدوار وتكامل الأدوار بين السلطات الثلاث والجهات الرقابية والإعلام ومشاركة المجتمع المدني وشركات القطاع الخاص والمؤسسات الدينية، لأجل تحقيق التنمية المستدامة وتأسيس الحكم الرشيد وحقوق الإنسان، وهذه لا تكون إلا بسيادة القانون وإنفاذ القانون بعدالة وصرامة على الجميع دون محاباة وتمييز“.
وأشار إلى أهمية أن تعمل السلطة التشريعية على توفير البيئة القانونية التي تعزز النزاهة ومكافحة الفساد، وتطوير إدارة الوظيفة العامة وفق مبادئ الكفاءة والخبرة والنزاهة، فضلاً عن المراجعة الدورية للأداء العام ومنع تضارب المصالح.
كما دعا إلى تطوير الأطر القانونية الخاصة بالعقود والمناقصات والمشتريات الحكومية، وتعزيز حق الاطلاع على المعلومات والإفصاح عنها للجمهور، بالتوازي مع إصلاح الإدارة المالية والتخطيط والنظام المصرفي وتطوير نظام الاستثمار.
وفي السياق الاقتصادي، أكد الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه، ، أن مكافحة الفساد أصبحت جزءاً أساسياً من صورة الاقتصاد العراقي أمام المجتمع الدولي، ولا يمكن فصلها عن مسار الإصلاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات.
وقال عبد ربه إن “مكافحة الفساد لم تعد ملفاً رقابياً داخلياً فقط، وإنما أصبحت جزءاً من صورة الاقتصاد العراقي أمام المجتمع الدولي، خاصة وأنه عندما يضع رئيس الوزراء هذا الملف ضمن الرسائل التي يوجهها العراق إلى العالم، فهذا يعني أن الدولة تريد الانتقال من معالجة آثار الفساد إلى بناء بيئة اقتصادية أكثر شفافية وانضباطاً“.
وأضاف “أما اقتصادياً، فإن حماية المال العام تعني حماية موارد الدولة وتوجيهها نحو الاستثمار والخدمات والبنية التحتية، بدلاً من تسربها أو هدرها. كما أن تعزيز سيادة القانون والحوكمة يرفع مستوى الثقة بين العراق والمؤسسات الدولية والمستثمرين، ويعطي رسالة بأن العراق يعمل على بناء مؤسسات اقتصادية أكثر كفاءة وشفافية“.
وتابع أن “المستثمر لا يبحث فقط عن السوق والموارد، وإنما يبحث عن بيئة يستطيع فيها حماية أمواله وتحقيق عائداته وفق قواعد واضحة، لذلك فإن أي تقدم حقيقي في مكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الرقابة على العقود الحكومية، ورقمنة التعاملات المالية والإدارية، سيخفض كلفة الفساد التي يتحملها المستثمر“.
وأشار إلى أنه “من هنا يمكن أن تتحول مكافحة الفساد إلى ميزة اقتصادية للعراق؛ فكلما أصبحت الإجراءات أكثر شفافية، والعقود أكثر وضوحاً، والقرار الاقتصادي أكثر استقراراً، أصبح العراق أكثر قدرة على جذب الشركات العالمية والشراكات طويلة الأمد، خصوصاً في قطاعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية والنقل. حماية المال العام ليست ضد الاستثمار، بل هي أحد شروط الاستثمار المستدام“.
وشدد عبد ربه على ضرورة جعل مكافحة الفساد جزءاً من التصميم الأساسي للإجراءات الاقتصادية والإدارية، بدلاً من اقتصارها على معالجة المخالفات بعد وقوعها.
وقال إنه “لكي تصبح مكافحة الفساد جزءًا من الإصلاح الاقتصادي، يجب الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية، أي إعادة تصميم الإجراءات الحكومية بحيث تصبح فرص الفساد أصعب من الأساس، من خلال رقمنة المشتريات والعقود الحكومية، وتعزيز الشفافية في الإنفاق العام، وربط قواعد البيانات بين المؤسسات، وتشديد التدقيق في المنافذ الجمركية والضريبية، وتطوير النظام المصرفي، وتتبع حركة الأموال غير المشروعة، مع تفعيل مبدأ المساءلة وفق القانون“.
وأضاف أن “الأهم أن يقاس النجاح بأرقام واضحة: كم ديناراً تم توفيره؟ كم عقداً أصبح أكثر شفافية؟ كم انخفضت مدة إنجاز المعاملة؟ وكم ارتفعت الإيرادات غير النفطية؟ عندها تصبح مكافحة الفساد جزءاً من الإصلاح الاقتصادي وزيادة الإيرادات وتحسين كفاءة الإنفاق، وليس مجرد ملف قضائي أو رقابي“.
وختم عبد ربه حديثه لوكالة الأنباء العراقية بالقول إن “الرسالة الأهم التي يمكن أن يقدمها العراق للمجتمع الدولي هي أنه لا يريد فقط استعادة الأموال المهدرة، وإنما يريد بناء منظومة اقتصادية تمنع الهدر والفساد مستقبلاً، وهذا يمثل أساساً مهماً لبناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو وجذب الاستثمارات والشراكات الدولية“.
